السيد محمد باقر الصدر
42
ومضات ( تراث الشهيد الصدر ج 17 )
هذه الدنيا دنيانا هي مجموعة من الأوهام ، كل دنيا وهم ، لكن دنيانا أكثر وهماً من دنيا الآخرين ، مجموعة من الأوهام . ماذا نحصل من الدنيا إلّاعلى قدر محدود جداً ؟ لسنا نحن أولئك الذين نهبوا أموال الدنيا وتحدثنا عنهم قبل أيام ، لسنا نحن أولئك الذين تركع الدنيا بين أيدينا لكي نؤثر الدنيا على الآخرة . دنيا هارون الرشيد كانت عظيمة . نقيس أنفسنا بهارون الرشيد . هارون الرشيد نسبُّه ليلًا نهاراً ؛ لأنّه غرق في حبّ الدنيا ، لكن تعلمون أيّ دنيا غرق فيها هارون الرشيد ، أي قصور مرتفعة عاش فيها هارون الرشيد ، أيّ بذخ وترف كان يحصل عليه هارون الرشيد ، أيّ زعامة وخلافة وسلطان امتدّ مع أرجاء الدنيا حصل عليه هارون الرشيد ؟ هذه دنيا هارون الرشيد . نحن نقول بأننا أفضل من هارون الرشيد ، أورع من هارون الرشيد ، أتقى من هارون الرشيد ، عجباً ! نحن عُرضت علينا دنيا هارون الرشيد فرفضناها حتى نكون أورع من هارون الرشيد ؟ يا أولادي ، يا إخواني ، يا أعزائي ، يا أبناء علي ، هل عرضت علينا دنيا هارون الرشيد ؟ لا ، عرض علينا دنيا هزيلة محدودة ضئيلة ، دنيا ما أسرع ما تتفتت ، ما أسرع ما تزول ، دنيا لا يستطيع الإنسان أن يتمدد فيها كما كان يتمدد هارون الرشيد . هارون الرشيد يلتفت إلى السحابة يقول لها : أينما تمطرين يأتيني خراجك « 1 » . في سبيل هذه الدنيا سجن موسى بن جعفر عليه السلام . هل جرّبنا أن هذه الدنيا تأتي بيدنا ثم لا نسجن موسى بن جعفر ؟ جرّبنا أنفسنا ، سألنا أنفسنا ، طرحنا هذا السؤال على أنفسنا ، كل واحد منّا يطرح هذا السؤال على نفسه ، بينه وبين اللَّه أن هذه الدنيا ، دنيا هارون الرشيد كلّفته أن يسجن موسى بن جعفر ، هل وضعت
--> ( 1 ) انظر : مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1 : 194 ؛ 3 : 224